الحَرْبُ عَلَى إِيْرَانَ وَتَأْثِيْرُهَا عَلَى عَلَاقَةِ الحَرِيْدِيْم بِالسُّلْطَةِ وَحُكُومَةِ (نَتَنْيَاهُو) بِإِسْرَائِيْلَ - د. أحمد البهنسي

مشاركة هذا الموضوع :

أعادت الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضدّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، فتح ملف العلاقة المركَّبة بين الدين والسياسة داخل إسرائيل،

مقدّمة

أعادت الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضدّ الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، فتح ملف العلاقة المركَّبة بين الدين والسياسة داخل إسرائيل، ليس فقط بوصفه جدلًا مبدئيًّا عن هُويَّة الدولة بل باعتباره صراعًا عمليًّا على الامتيازات، والعبء الأمني، وتوزيع الموارد بين المتديِّنين اليهود (الحريديم) وبقيَّة مكوّنات المجتمع في إسرائيل؛ فالحرب، بما فرضته من تعبئة داخليَّة وتهديد مباشر للجبهة الداخليَّة، دفعت إلى إعادة اختبار حدود التفاهم القائم منذ سنوات بين حكومة (بنيامين نتنياهو-Benjamin Netanyahu) وبين الأحزاب الحريديَّة، وهو تفاهم يقوم على معادلة واضحة: «دعم سياسي ثابت مقابل حماية منظومة الامتيازات الدينيَّة والاجتماعيَّة للحريديم».

أدَّت الحرب الإسرائيليَّة على إيران إلى إعادة طرح ثلاثة ملفَّات شديدة الحساسيَّة عن علاقة الحريديم بالسلطة في إسرائيل، وهي:

 1- التجنيد الإجباري للحريديم

 2- التمويل الحكومي للمخصصات الاجتماعية للحريديم

 3- تحالف الحريديم مع (نتنياهو). وكلّ ملفّ من هذه الملفَّات يملك قدرة مستقلِّة على تفجير العلاقة بين الطرفين، لكن تزامنها في لحظة واحدة بفعل الحرب يجعل العلاقة على المحكّ إلى حدّ كبير أكثر من أي وقت مضى.

أوَّلاً: تجنيد الحريديم

عادت هذه القضيَّة إلى صدارة المشهد بوصفها اختبارًا جوهريًّا لـ"عدالة العبء" داخل المجتمع في إسرائيل؛ فالحرب مع إيران، وما رافقها من تعبئة واسعة وارتفاع حساسيَّة الجمهور تجاه الأمن القومي، أعطت زخمًا جديدًا للتيَّارات العلمانيَّة والقوميَّة التي ترى أنَّ استمرار إعفاء الحريديم من التجنيد لم يعد مقبولًا سياسيًًا ولا خُلُقيًّا. صحيح أنَّ الحرب نفسها أخّرت الدفع الفوري باتّجاه قانون صارم لتجنيد الحريديم؛ إذ غالبًا ما تتجنَّب الحكومات فتح جبهات داخليَّة أثناء مواجهة خارجيَّة، لكن هذا التأجيل ليس إلا «هدنة سياسيَّة»، فمن المتوقَّع أن تعود القضيَّة بقوة أكبر؛ لأنَّ الحرب لم تقلِّل من الأزمة بل عمّقتها، فقد أظهرت خطورة التحدّيات الأمنيَّة التي تتطلَّب موارد بشريَّة ضخمة.

زادت من حدَّة هذه القضيَّة، تصريحات (إيال زامير-Eyal Zamir) رئيس الأركان الإسرائيلي أواخر مارس الماضي عن أزمة عنيفة يتعرَّض لها الجيش بسبب قلَّة المجنَّدين واحتياجه لقانون تجنيد صارم يلبّي احتياجاته المتزايدة. فلا يمكن فصل هذه التصريحات، التي تبدو عسكريَّة أو مهنيَّة بحتة، عن سياق الضغوظ المتزايدة التي أحدثتها الحرب، سواء على الجيش أم على المستوى السياسي في الكيان الإسرائيلي، لا سيِّما وأنَّ هذه التصريحات اعتُبِرت «سابقة» لتدخُّل المستوى العسكري في السياسية المدنيَّة بإسرائيل.

المفارقة أنَّ الحريديم يدركون أنَّ المزاج العام بعد الحرب أكثر عدائيَّة تجاههم، لكنَّهم في الوقت نفسه لا يملكون هامشًا كبيرًا للتنازل؛ لأنَّ التجنيد يمس جوهر نموذجهم الاجتماعي القائم على الدراسة الدينيَّة المكثَّفة، ويهدِّد سلطة الحاخامات على الشباب. لذلك، يرجَّح أن تتَّجه القيادات الحريدية إلى استراتيجيَّة «المساومة الصلبة»: تقديم تنازلات شكليَّة أو جزئيَّة (مثل زيادة أعداد رمزية للمجنَّدين الحريديم أو تمديد فترات انتقاليَّة) مقابل الحفاظ على الإعفاء من التجنيد بصفتها قاعدة. لكن قدرة (نتنياهو) على حماية هذا النموذج ستصبح أقل؛ لأنَّ الضغط الشعبي والمؤسَّسي، وربما القضائي، سيزداد بعد الحرب.

ثانيًا: الحريديم والعبء الاقتصادي للحرب

أدَّت التحدِّيات الاقتصاديَّة التي خلقها العدوان على إيران إلى أن تصبح الميزانيَّات المخصَّصة للمؤسَّسات الحريدية هدفًا سهلًا للانتقاد السياسي والإعلامي. وقد تُطرح داخل الحكومة نفسها أصوات تطالب بإعادة توجيه هذه الميزانيَّات إلى الدفاع وإعادة الإعمار، لا سيِّما بعد نشر صحيفة "كالكاليست" الاقتصاديَّة الإسرائيليَّة إحصاءات رسميَّة مطلع أبريل تفيد بأنَّ ميزانية الحرب على إيران ولبنان مجتمعة باتت باهظة جدًّا؛ إذ تجاوزت 15 مليار دولار حتى الآن، ومرشَّح أن تزيد في ظلّ استمرار العمليَّات القتاليَّة.

هنا يكمن مصدر قلق الحريديم الحقيقي؛ فالعلاقة بينهم وبين (نتنياهو) ليست علاقة أيديولوجيَّة بقدر ما هي علاقة مصلحيَّة متبادلة. فإذا دخلت الحكومة مرحلة تقشّف أو خفض إنفاق، فإنَّ الأحزاب الحريدية ستشعر بأنَّها تدفع ثمن الحرب بسبب تقليص الامتيازات التي تعتبرها ضمانة لبقاء نمط حياتها، ومن المتوقَّع أن تتصاعد نبرة التهديد داخل الخطاب الحريدي بأنَّ "المجتمع المتديِّن لن يكون ضحيَّة سهلة"، ما قد يدفعهم إلى رفع سقف مطالبهم داخل الائتلاف، أو استخدام أدوات ابتزاز سياسي تقليديَّة، مثل تعطيل التصويت على قوانين الحكومة.


ثالثًا: التموضع السياسي للحريديم

تسبَّب سقوط الصواريخ الإيرانيَّة على مناطق مأهولة بالحريديم، مثل بني باراك (شرق تل أبيب و90 % من سكَّانها حريديم)، في تأثير نفسي وسياسي بالغ؛ فالمجتمع الحريدي، تاريخيًّا، لم يكن في قلب سرديَّة "الدولة المحاربة"، وكان جزء كبير منه ينظر إلى الصراع من زاوية دينيَّة-قدرية، أو من زاوية "البقاء خارج المعركة" ما أمكن، فهو مجتمع لا يؤمن بالدولة أصلًا ويراها كافرة، لكنَّه يعيش فيها لأنَّها تؤمّن له نمط حياة ديني متوافق مع معتقداته، لكن عندما تصبح مدنهم وأحياؤهم ضمن نطاق الاستهداف، تتغيَّر المعادلة؛ إذ يزداد الشعور بأنَّهم يدفعون ثمن سياسات أمنيَّة لا يملكون التأثير الحقيقي على قراراتها، بينما لا يزالون متَّهمين داخليًّا بأنَّهم لا يشاركون في الدفاع عن الدولة.

هذا التناقض قد يخلق حالة سخط مزدوجة، فمن جانب سخط حريدي على (نتنياهو)؛ لأنَّه لم يوفِّر لهم الحماية الكافية أو لأنَّه زجّ البلاد في مواجهة خطيرة، ومن جانب آخر سخط عام ضدّ الحريديم؛ لأنَّهم يتعرَّضون للخطر مثل غيرهم، لكنَّهم لا يتحمَّلون العبء العسكري. ومع الوقت، قد يتحوَّل هذا إلى أزمة ثقة بين الطرفين. فـ (نتنياهو) يعتمد على الحريديم بوصفهم كتلة انتخابيَّة وبرلمانيَّة ثابتة، بينما الحريديم يعتمدون عليه بوصفه درعًا سياسيًّا يحميهم من القوانين التي تهدِّد امتيازاتهم، لكنَّ الحرب تهدِّد هذه العلاقة ولو حتى على المدى القصير.

مع ذلك، من غير المرجَّح أن تؤدِّي الحرب إلى قطيعة فوريَّة بين الحريديم وحكومة (نتنياهو)؛ فالأحزاب الحريديَّة، رغم غضبها، تدرك أنَّ البدائل السياسيَّة أسوأ، فحكومة محتملة يقودها خصوم (نتنياهو) قد تكون أكثر صرامة في ملفّ التجنيد، وأكثر ميلاً لتقليص الميزانيَّات المخصَّصة لهم. لذلك سيستمر الحريديم غالبًا في دعم (نتنياهو)، لكن مع زيادة مستوى التوتّر، وارتفاع تكلفة الحفاظ على هذا التحالف.


خاتمة

التقدير الاستشرافي الأكثر واقعيَّة هو أنَّ العلاقة ستدخل مرحلة "إعادة تفاوض قاسية"؛ بمعنى أنَّ الحريديم لن يخرجوا من الائتلاف بسهولة، لكنَّهم سيطالبون بثمن أعلى مقابل البقاء، وسيسعون إلى ضمانات تشريعيَّة وماليَّة طويلة الأمد. في المقابل، سيحاول (نتنياهو) المناورة عبر حلول وسط، مثل قوانين تجنيد مخفّفة أو صيغ "خدمة مدنيَّة بديلة"، مع محاولة امتصاص غضب الجمهور العلماني دون خسارة الحريديم. لكنَّ نجاح هذه المناورة سيكون محدودًا؛ لأنَّ الحرب رفعت منسوب الحساسيَّة العامة تجاه فكرة "المساواة في التضحية" أو "تقاسم العبء الأمني".

على المدى المتوسّط، قد تؤدّي هذه الحرب إلى نتيجتين محتملتين:

1- زيادة تسييس المجتمع الحريدي داخليًّا؛ أي ظهور تيَّارات حريديَّة أكثر براغماتيَّة تقبل تسويات محدودة بما يتعلَّق بالخدمة أو العمل، خوفًا من فقدان الامتيازات كلّيًّا.

2- ارتفاع العداء المتبادل بين الحريديم وبقيَّة مكوّنات المجتمع في إسرائيل، ما يهدّد بتحوّل الخلاف من أزمة قانونيَّة إلى أزمة هُويَّة وطنيَّة.

إجمالًا، يمكن القول إنَّ الحرب على إيران لم تفكّك التحالف بين نتنياهو والحريديم، لكنَّها أضعفته وفتحت نوافذ تساؤلات عن أثمان بقائه في المستقبل القريب؛ إذ زادت الضغط باتجاه تجنيد الحريديم، وهدّدت تدفّق الميزانيَّات المخصَّصة لهم، وأدخلت المجتمع الحريدي مباشرة في دائرة الخطر الأمني. ومن ثَمَّ، فإنَّ المستقبل القريب سيشهد تصاعدًا في التوتّر والمساومات، وقد تتَّجه العلاقة نحو نمط أكثر صداميَّة؛ حيث يصبح بقاء التحالف ممكنًا فقط إذا استطاع (نتنياهو) تقديم "معادلة جديدة" تُرضي الحريديم دون أن تفجّر غضب الجمهور الإسرائيلي الأوسع.


التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث