المقاومة وإعادة صياغة مفهوميَّة: من فعل التحرير إلى بنية الاستمرار- د. محمد محمود مرتضى

مشاركة هذا الموضوع :

لا تظهر المقاومة في الخطب المنشورة لسماحة شهيد الأمّة السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) بوصفها شعارًا تعبويًّا أو توصيفًا تقنيًّا لنمط قتال، وإنَّما تتشكّل تدريجيًّا —وعبر تراكم نصّي ممتدّ— بوصفها مفهومًا استراتيجيًّا مركّبًا يعيد تعريف العلاقة بين القوَّة والسياسة، وبين المجتمع والزمن، وبين الفعل والغاية. فالخطاب، عند قراءته قراءة تحليليَّة صارمة، يقدّم المقاومة بصفتها قرارًا تاريخيًّا يُنتج نمط وجود سياسي وخُلُقي واجتماعي، ويؤسّس لمعنى السيادة وحدودها في سياقٍ إقليمي ودولي قائم على اختلالٍ بنيوي في موازين القوة.

يحرص الخطاب، منذ ما بعد التحرير عام 2000، على كسر الاختزال الذي يربط المقاومة بالفعل العسكري وحده. ففي خطاب عيد المقاومة والتحرير، يُقدَّم الإنجاز بوصفه دليلًا على صواب خيارٍ تاريخيٍّ. التحرير، في هذا النصّ، ليس "نتيجة" مكتملة العناصر بقدر ما هو برهان على صلاحيَّة طريقٍ أُختير سابقًا؛ إذ تُربط الأرض بالكرامة، والسيادة بحُرِّيَّة الإنسان، والنصر بالالتزام. هكذا تنتقل المقاومة من خانة الأداة إلى خانة المرجعيَّة التفسيريَّة للتاريخ القريب (السيد حسن نصر الله، خطاب عيد المقاومة والتحرير، 26 أيار 2000).

هذا التحويل من الحدث إلى المرجعيَّة يتعمّق حين يُعاد تعريف وظيفة المقاومة. فالخطاب لا يَعِدُ بحسمٍ نهائيّ وسريع، وإنَّما يعيد توجيه معيار النجاح نحو منع المشروع المعادي من التحقُّق. بعد حرب تموز 2006، يتكرّر منطقٌ يجعل معيار الإنجاز هو فشل العدو في فرض أهدافه السياسيَّة، لا حجم الدمار ولا عدد الضربات. المقاومة، هنا، هي قدرة على تعطيل الحسم وإبقاء الصراع مفتوحًا على شروط لا يستطيع الخصم التحكُّم بها بالكامل (السيد حسن نصر الله، خطاب ما بعد وقف إطلاق النار، 14 آب 2006). وهكذا، تُعرَّف المقاومة استراتيجيًّا بوصفها وظيفة منع وردع، لا مجرَّد تراكم ضربات.

لكن الأهم في البنية المفهوميَّة للمقاومة هو انتقالها من كونها فعل نخبة مسلّحة إلى منظومة تحمّل جماعي. ففي الخطب التي تخاطب الداخل اللبناني، لا سيَّما تلك المتَّصلة بالأوضاع الاجتماعيَّة والسياسيَّة، يُعاد التأكيد على أنَّ المقاومة لا تقوم بالسلاح وحده، بل بتماسك المجتمع، وبقدرة البيئة الحاضنة على الاحتمال، وبمنع الانقسام الداخلي من التحوُّل إلى أداة ضغط معادية. بهذا التوسيع، تُنزَع المقاومة من حصرها التنظيمي، وتُعاد صياغتها بوصفها وظيفة سياديَّة مجتمعيَّة تَحفظ الدولة والمجتمع معًا بدل أن تُحرجهما. (السيد حسن نصر الله، خطاب حول الوضع الداخلي والتحديات الإقليمية، كانون الثاني 2014).

ويتَّصل بذلك بُعدٌ خُلُقي لا يُقدَّم بوصفه وعظًا، وإنَّما شرطٌ للاستمرار. فالكرامة والسيادة والمعنى ليست إضافات خطابيَّة، بقدر ما هي محدِّدات لشرعيَّة القوَّة. المقاومة، وفق هذا المنطق، اختيار وجودي يرفض تحويل الجماعة إلى مسألة إداريَّة تحت التهديد. الاستسلام قد يبدو أقلّ كلفة آنية، لكنَّه—في لغة الخطاب—أفدح كلفة تاريخيَّة؛ لأنَّه يفضي إلى نزع المعنى عن الفعل الجماعي وإدخاله في منطق التكيّف القسري (السيد حسن نصر الله، خطابات المناسبات الوطنية، 2016–2018).

وتبلغ هذه الرؤية مستوىً أكثر تجريدًا حين يُصرّ الخطاب على توسيع أفق المقاومة من "تحرير أرض" إلى مواجهة مشروع. ففي كلمة له في مؤتمر علماء المقاومة، يَبرز مصطلح "مواجهة المشروع الصهيوني" بوصفه إطارًا جامعًا. والمشروع، بخلاف الحدث، يُواجَه بمنظومة مفاهيم وقدرة على الاستمرار وحاضنة ثقافيَّة وسياسيَّة. بهذا التحوُّل، تغدو المقاومة مفهومًا حضاريًّا داخل الفكر الاستراتيجي؛ لأنَّها تتعامل مع الصراع باعتباره صراعًا على المستقبل والمعنى، لا على الجغرافيا فقط (السيد حسن نصر الله، كلمة في مؤتمر علماء المقاومة، تموز 2015).

هذا التأسيس النظري يُنتج أثرًا مباشرًا في كيفيَّة إدارة الزمن. فالزمن، في الخطاب، عنصر يُعاد توظيفه لصالح الطرف الأضعف مادّيًّا؛ حيث تُقرأ كلّ مرحلة هدوء بوصفها جزءًا من مسار أطول، وتُفهم كلّ جولة غير حاسمة بوصفها تراكمًا في ميزان الردع. هنا تُفهم المقاومة بأنَّها قدرةٌ على العيش داخل الصراع دون الذوبان فيه، وفنٌّ لإدارة الاستمراريَّة دون استنزاف المعنى. ويظهر هذا بوضوح في الخطب العاشورائيَّة التي تعيد تعريف الصبر بوصفه فعلًا واعيًا لا حالة انتظار. (السيد حسن نصر الله، خطاب عاشورائي عن الصبر والقرار، 2011).

بعد استشهاد السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، يطرح الواقع اختبارًا حادًّا لهذا المفهوم: هل كانت المقاومة مرتبطة بشخص القائد أم تحوّلت إلى بنية مؤسَّسيَّة؟ إنَّ العودة إلى خطب الأمين العام الجديد الشيخ نعيم قاسم تُظهر أنَّ المفهوم لم يضعف، وإنَّما دخل مرحلة ترسيخ. ففي كلمته بعد الاستشهاد، لا يكتفي الخطاب بالتأبين، وإنَّما يركّز على الاستمراريَّة، وعلى ملء المواقع القياديَّة، وعلى أنَّ المنظومة التي أُسّست قادرة على العمل بخطط بديلة. من هنا، تُعاد المقاومة صياغتها بوصفها نظامَ قرار لا رمزًا فرديًّا (الشيخ نعيم قاسم، خطاب بعد استشهاد السيد حسن نصر الله، 30 أيلول 2024).

ثم تأتي كلمته الأولى بعد انتخابه أمينًا عامًّا لتؤكِّد هذا التحوُّل من الرمز إلى البنية. فالمقاومة تُعرض بوصفها خيارًا سياديًّا غير قابل للمساومة، تُدار ضمن عقل سياسي يوازن بين القوَّة والمصلحة العامَّة، ويمنع انزلاق العنف إلى مغامرة. في هذا السياق، تُصبح المقاومة قدرةً على تثبيت خيار القوَّة داخل إطار عقلاني، لا قوَّةً تجرّ السياسة خلفها (الشيخ نعيم قاسم، الكلمة الأولى بعد انتخابه أمينًا عامًا، 30 تشرين الأول 2024).

وتكتمل الصورة حين يُعاد تثبيت العلَّة الأولى للمقاومة بوصفها الاحتلال والتهديد المستمرّ، لا التنافس الداخلي ولا صراع النفوذ. ففي كلمة عاشورائيَّة، تُعرَّف المقاومة تعريفًا مباشرًا نسبيًّا: ردّة فعل على الاحتلال من أجل طرده، لا امتيازًا سياسيًّا مكتسبًا. هذا التحديد السببي يمنح المفهوم صلابة استراتيجيَّة؛ لأنَّه يربط الشرعيَّة بواقع عدواني موضوعي لا بخيارات ظرفيَّة (الشيخ نعيم قاسم، كلمة عاشوراء، تموز 2024).

في ضوء ذلك، يمكن فهم كيفيَّة تعامل الخطاب مع سياسات الاغتيال التي أعقبت وقف إطلاق النار عام 2024. فالمقاومة، بوصفها مفهومًا، لا تُختبر بردٍّ آنيٍّ، ولا تُقاس بعمليَّة واحدة. إنّ الامتناع المدروس عن الردّ لا يعني تعطّل المفهوم، وإنَّما يعني تفعيل بعده الاستراتيجي؛ أي إبقاء الخيار حاضرًا دون السماح للخصم بفرض توقيته. وهنا يظهر أنَّ المقاومة هي حالة تُحافظ على معناها حتى حين يتأجَّل الفعل.

إذا جمعنا هذه الخيوط، تتَّضح أمامنا بنيةٌ مفهوميَّة متعدِّدة الطبقات للمقاومة: طبقة قرار التحرير بوصفه مخرجًا من العجز، وطبقة وظيفة المنع التي تعطِّل مشروعَ الخصم، وطبقة التنظيم السيادي للقوَّة داخل المجتمع، وطبقة الاستمراريَّة المؤسَّسيَّة التي لا تنهار باغتيال قائدٍ. هذه الطبقات تُستخرج من مواضع استعمال المفهوم ذاته في الخطب: مرَّة باعتبارها طريقًا للهداية، ومرَّة باعتبارها قرارًا جماعيًّا، ومرة باعتبارها معادلة تنظيم، ومرة باعتبارها مواجهة مشروع، ومرة باعتبارها منظومة قيادة وخطط بديلة.

من هنا، لا تكون الكتابة عن المقاومة تكرارًا لسرديَّات مألوفة، وإنَّما تفكيكًا لمفهومٍ استراتيجي يعيد تعريف القوَّة وحدودها. فالمقاومة، كما تتبدَّى في هذه الخطب، هي هندسة علاقة المجتمع بالقوَّة. أي كيف يحفظ المجتمع حقَّه في الردع دون أن يفقد تماسكه؟ وكيف يمنع التفوُّق المعادي من التحوّل إلى حسم؟ وكيف يُنتج معنى الاستمرار في بيئة تهديد دائم؟ إنَّ الإجابة التي يقدّمها الخطاب—بصورة تراكميَّة—هي أنَّ المقاومة نظريَّة حياة تحت التهديد، تُوازن بين الأخلاق والسيادة، وتحوّل الاستمرار ذاته إلى مورد قوَّة.

هذه القراءة، بما تحمله من صرامة تحليليَّة، تفتح الباب أمام مقاربة أوسع للفكر الاستراتيجي في سياقات الضعف البنيوي؛ حيث يُقاس النجاح بالقدرة على منع الهزيمة، وعلى تحويل الزمن إلى حليف، وعلى تثبيت معنى لا يستطيع الخصم مصادرته. وفي هذا الإطار، تغدو المقاومة —كما صاغتها الخطب المنشورة— مفهومًا يتجاوز ظرفه؛ لأنَّه يقدِّم نموذجًا لكيفيَّة إنتاج القوَّة في ظروف اختلالها.



[1] أكاديمي ومفكِّر لبناني- مدير مركز براثا للدراسات والبحوث.


التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث