الحَرْبُ عَلَى إِيْرَانَ تُهَدِّدُ مَتَانَةَ الحِلْفِ الأَمرِيْكِيِّ الإِسْرَائِيِلِيِّ - علي رزق

مشاركة هذا الموضوع :

هل يقترب التحالف الأمريكي–الإسرائيلي من نقطة الانكسار؟ كتب (جدعون ليفي-Gideon Levy) إنَّ الحرب على إيران قد تدفع بالعلاقات الأمريكيَّة الإسرائيليَّة إلى "الانكسار"، معتبرًا أنَّ النزاع قد يشكّل نقطة تحوّل في هذه العلاقة.

هل يقترب التحالف الأمريكي–الإسرائيلي من نقطة الانكسار؟

 

كتب (جدعون ليفي-Gideon Levy) إنَّ الحرب على إيران قد تدفع بالعلاقات الأمريكيَّة الإسرائيليَّة إلى "الانكسار"، معتبرًا أنَّ النزاع قد يشكّل نقطة تحوّل في هذه العلاقة. يحذِّر (ليفي) من تحميل الولايات المتحدة "إسرائيل" مسؤوليَّة الإخفاقات في الحرب؛ إذ يرى أنَّ ذلك إنَّما قد يؤدِّي إلى تحوّلات كبرى في ما يوصف بالتحالف "غير القابل للكسر". كما يذهب إلى حدّ التحذير من تحوّل "إسرائيل" إلى "دولة منبوذة"، على غرار كوريا الشماليَّة.

طبعًا هي ليست المرَّة الأُولى التي يجري فيها الحديث عن أزمة محتملة قد تنشأ بين الحليفين على خلفيَّة ملف إيران تحديدًا.

فخلال حقبة الرئيس الأسبق (باراك أوباما-Barack Obama) شهدت العلاقات مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو-Benjamin Netanyahu) فتورًا ملحوظًا تمحور بشكل أساس حول مساعي (أوباما) لإبرام اتّفاق نووي مع إيران. فقد عمد (نتنياهو) بشكل فاضح وقتها إلى تعطيل المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، محاولًا الالتفاف على البيت الأبيض عبر إلقاء كلمة أمام الكونغرس هاجم فيها سياسة (أوباما).

 

من (أوباما) إلى (ترامب): كيف أعادت إيران تشكيل العلاقة الأمريكيَّة–الإسرائيليَّة؟

 

لكنَّ، ورغم تدخّل (نتنياهو) السافر في السياسة الأمريكيَّة، لم يحدث الشرخ بين الولايات المتّحدة و"إسرائيل". ويعود ذلك، ولو جزئيًّا، إلى صعود وتيرة الاستقطاب السياسي الداخلي الأمريكي. فقد شكَّلت حقبة (أوباما) بداية الاستقطاب السياسي الداخلي الحادّ الذي لا يزال ساريًا اليوم. وانطلاقًا من ذلك، حصل تقاطع بين موقف الحزب الجمهوري الرافض لكلّ سياسات (أوباما)، سواء في الداخل أم في الخارج، وموقف (نتنياهو) الرافض لأي خطوة من شأنها أن تحدّ من حالة العداء بين واشنطن وطهران. وبالتالي، تقلّصت آمال (نتنياهو) بجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب مع الجمهوريَّة الإسلاميَّة.

وعلى هذا الأساس، استطاع (نتنياهو) إقناع (ترامب-Trump) بالانسحاب من الاتفاق النووي، مستفيدًا في الوقت نفسه من نرجسيَّة (ترامب) الذي أراد إبطال كلّ ما يمكن وصفه بالإنجاز لسلفه.

منذ ذلك الحين، شهد التحالف الأميركي الإسرائيلي ما يمكن وصفه بالعصر الذهبي؛ حيث أقدم (ترامب) خلال ولايته الأُولى على الاعتراف بالقدس عاصمة لـ "إسرائيل"، ونقل السفارة الأمريكيَّة من "تل أبيب" إلى القدس، والاعتراف بسيادة "إسرائيل" على الجولان السوري المحتل. كما شهدت ولاية (ترامب) الأُولى خطوات في ملف إيران، مثل إدراج قوَّات حرس الثورة على لائحة الإرهاب، واغتيال قائد قوّات فيلق القدس السابق الفريق الشهيد (قاسم سليماني).

استمرّ هذا العصر الذهبي خلال حقبة الرئيس السابق (جو بايدن-Joseph Biden)، وهو صاحب مقولة "ليس من الضروري أن تكون يهوديًّا حتى تكون صهيونيًّا"؛ حيث زوَّدت واشنطن الكيان الإسرائيلي بأشكال الدعم كافَّة في أعقاب عمليَّة طوفان الأقصى، فضلًا عن عدم عودتها إلى الاتفاق النووي.

 وذلك كلّه قبل أن يصل التناغم الأميركي الإسرائيلي إلى الذروة مع قرار (ترامب) الذهاب مع "إسرائيل" إلى العمل العسكري ضدّ إيران، في المرَّة الأولى في حزيران يونيو الماضي، بما يعرف حرب الاثني عشر يومًا، ومن ثمَّ العدوان الذي بدأ في نهاية شباط فبراير الماضي، والمستمرّ حتى يومنا هذا.

 

تحالف على حافة الانكسار: حين تتحوّل إيران إلى نقطة صدام بين الحليفين

 

لكنَّ هذه الحرب الدائرة اليوم قد تشكِّل فعلًا، وكما يحذِّر (ليفي)، مرحلة مفصليَّة ربما تحدث أزمة حقيقيَّة في التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وليس مجرَّد مشكلة عابرة على غرار ما حصل خلال عهد (أوباما). من أسباب ذلك، شخص (ترامب) الذي يرفض ربط اسمه بالفشل، سيّما في موضوع الحرب على إيران. وقد تجلَّى ذلك في حديث (ترامب) الذي بدا فيه وكأنَّه يحمل وزير حربه (بيت هيغسيث-Pete Hegseth) مسؤوليَّة قرار الذهاب إلى الحرب.

تجدر الإشارة هنا إلى ما جرى تداوله عن أنَّ جهاز الموساد لعب دورًا محوريًّا في قرار (ترامب) الذهاب إلى الحرب، وتحديدًا في إقناعه بإمكانيَّة إسقاط القيادة الإيرانيَّة من الداخل بعد تصفية قادة الصفّ الأوَّل. وعليه، فإنَّ (ترامب) الحريص على إبعاد تهم الفشل عنه، وإلى جانب الإخفاقات في الحرب، تجعل "إسرائيل" عرضة لتنفيس (ترامب) عن غضبه من خلال تحميلها مسؤوليَّة فشل الحرب، وهو السيناريو الذي يحذّر منه (ليفي).

ثمَّة عوامل أخرى تؤيِّد نظريَّة احتمال حدوث فراق حقيقي هذه المرَّة بين الحليفين الحميمين، منها ما يتعلَّق بوجود تهديد أمني للولايات المتّحدة من عدمه. من المفيد هنا العودة إلى حقبة (بوش-Bush) الابن وما شهدتها من حروب في الشرق الأوسط. صحيح إنَّ الحرب على العراق استندت إلى ذرائع لا أساس لها من الصحَّة، مثل امتلاك نظام (صدَّام حسين) أسلحة دمار شامل، وارتباطه بتنظيم القاعدة، لكنَّ الولايات المتحدة كانت تعرَّضت لأكبر هجوم على أراضيها (هجمات الحادي عشر من أيلول). وضع (بوش) حربه على العراق –وكذلك على أفغانستان—في سياق الحرب على الإرهاب، ردًّا على هجمات الحادي عشر من أيلول.

في الخلاصة كان يملك (بوش) ولو الحدّ الأدنى من الحجَّة المرتبطة بحماية الداخل الأميركي، وهو ما لا ينطبق على (ترامب) في قراره الذهاب إلى الحرب على إيران، وإن كان الأخير قد تحدث عن قرب امتلاك إيران أسلحة تطال الأراضي الأمريكيَّة.

وتعزَّز ذلك مع استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب (جو كنت-Joe Kent)، سيّما وأنَّ الأخير كان يتولَّى منصبًا رفيعًا معني بالأمن الداخلي الأمريكي. لكنَّ الأهم من ذلك كلّه، هو ما ورد في رسالة استقالة (كنت) عن أنَّ إيران لم تكن تشكِّل تهديدًا للولايات المتحدة، ليقول علنًا إنَّ الولايات المتحدة دخلت إلى الحرب بدفع من "إسرائيل"!

 

ما بعد فيتنام: هل تخلق إيران موجة رفض أمريكية أوسع للحروب؟

 

ترسَّخت قناعة لدى شريحة واسعة من الأمريكيين بأنَّ إدارة (ترامب) تخوض حرب لا علاقة لها بالأمن الأمريكي بل تنطلق من مصالح "إسرائيل". أدَّى ذلك إلى صعود نجم النخب الأمريكيَّة التي لطالما شدَّدت على تحكّم "إسرائيل" في السياسة الأمريكيَّة في الشرق الأوسط، حتى وإن كان على حساب المصلحة الأمريكيَّة؛ حيث برزت هنا أسماء مثل (جون ميرشايمر-John J. Mearsheimer) و)جيفري ساكس(Jeffrey Sachs -.

يضاف إلى ذلك التداعيات الاقتصاديَّة للحرب التي باتت تؤلم المواطن الأمريكي، وهو ما دفع (ترامب) إلى توجيه "خطاب إلى الأُمَّة" بهدف طمأنة الشارع بأنَّ المعاناة الاقتصاديَّة لن تدوم طويلًا.

الخلاصة الأهم من كل ذلك، هو أنَّه يفتح الباب على مصراعيه أمام موجة شعبيَّة أمريكيَّة غير مسبوقة تتبنَّى نظرة سلبيَّة حيال "إسرائيل". فالمسألة هنا لم تعد حول معاداة "إسرائيل" على أساس مبدأ حقوق الإنسان والتضامن مع الشعب الفلسطيني، بل تتخطَّى ذلك لتشمل شريحة لا تعير اهتمامًا للسياسة الخارجيَّة وشنّ الحروب، لكن شريطة أن لا يكون ذلك على حساب أمن المواطن وسلامته، بما في ذلك في المجال الاقتصادي، وهي الشريحة الشعبيَّة الأكبر.

يمكن القول إنَّ هذا المشهد يشكل سابقة حتى بالمقارنة مع حرب فيتنام؛ إذ إنَّ الرفض الشعبي لتلك الحرب كان ينبع بشكل أساس من الخسائر البشريَّة بين الجنود الأمريكيين ومشاهد المجازر التي ارتُكبت في فيتنام. أمَّا في حالة إيران، فإنَّ ورقة مضيق هرمز تمكِّن طهران من خلق حالة شعبيَّة رافضة للحرب أوسع من الرفض الشعبي لحرب فيتنام، وذلك كون التداعيات الاقتصاديَّة تطال الجميع من دون استثناء، الأمر الذي يمكِّن إيران من إيجاد فجوة عميقة غير مسبوقة بين الشارع الأمريكي و"إسرائيل".

الشرخ الأطلسي وحرب إيران: اختبار غير مسبوق لخيارات واشنطن

 

هناك عامل آخر لا يقل أهميَّة، يتمثَّل في الشرخ الحاصل بين ضفّتي الأطلسي حول الحرب على إيران الذي يعدّ أزمة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الأطلسيَّة. يشمل هذا الشرخ حتى الحليف البريطاني الوطيد، وذلك في مشهد مغاير للحرب على العراق، عندما قرَّر رئيس الوزراء البريطاني وقتها (توني بلير- Tony Blair) الذهاب مع إدارة (بوش) الابن إلى الحرب.

تكمن أهميَّة هذا الموضوع في كون الدولة العميقة في الولايات المتحدة لا تزال تؤكِّد على أهمّيَّة الحلف الأطلسي. كما أنَّ أوروبا وخلافًا للدول العربيَّة المصنَّفة بالحلفاء لواشنطن، يعتبرها طيف واسع من النخبة الأمريكيَّة حليفًا "حضاريًّا".

بناء عليه، يطرح السؤال عمَّا إذا كان المعسكر الأمريكي الداعم للحلف الأطلسي مستعدّ لدعم "الكيان الإسرائيلي" في سياق العدوان على إيران على حساب العلاقات الأطلسيَّة، وهو اختبار لم يسبق أن شهدته الولايات المتحدة.

في الخلاصة، يمكن القول إنَّ الحرب على إيران قد تضع الحلف الأمريكي الإسرائيلي أمام اختبار غير مسبوق. فحجم التداعيات الناتجة عن هذه الحرب قد تفوق أي مساع هادفة إلى استمرار الحلف، أقلّه بشكله الحالي.

 


التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث