عَلَاقَةُ الثَّبَاتِ بِالنَّصْرِ فِي المَعْرَكَةِ مِن مِنْظَارِ القُرْآنِ الكَرِيْمِ الشيخ د. لبنان حسين الزين

مشاركة هذا الموضوع :

كشف القرآن الكريم عن مجموعة من العوامل المسبِّبة للنصر في المعركة؛ منها: الاستقامة، والثبات عند لقاء العدوّ، والارتباط بالله، والطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر، والاعتصام بحبل الله وتجنّب النّزاع والشّقاق، والصّبر على مشاقّ المعركة، والحذر من الغرور والرياء والإسراف في الأمر، وإعداد العدّة ...

كشف القرآن الكريم عن مجموعة من العوامل المسبِّبة للنصر في المعركة؛ منها: الاستقامة، والثبات عند لقاء العدوّ، والارتباط بالله، والطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر، والاعتصام بحبل الله وتجنّب النّزاع والشّقاق، والصّبر على مشاقّ المعركة، والحذر من الغرور والرياء والإسراف في الأمر، وإعداد العدّة ...

ونظرًا لكون الثبات في المعركة عنصرًا مقوّمًا لتحقيق النصر؛ فسوف نتناوله بالبحث القرآني، لجهة علاقته بالنصر في المعركة.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: 45]، ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

1. ضرورة الثبات في المعركة:

كلمة "لقاء" المستفادة من قوله تعالى: ﴿إذا لقيتم﴾، يغلب استعمالها في موارد القتال والمعركة. والمراد بالفئة هي الجماعة؛ أي جماعة المقاتلين، وهم الكفّار الحربيّون أو الباغون[1].

ومعنى "الثبات" في الآية عكس الفرار من العدوّ، وهو له معنى أشمل من الصَّبر[2]. والأمر بالثبات في الآية مطلق، فيفيد مطلق الثبوت أمام العدوّ، وعدم الفرار منه[3].

والثبات في المعركة من لوازم الإيمان الحقيقي؛ حيث إنّ الخطاب في الآية موجَّه إلى المؤمنين، وفي ذلك دلالة على أنّ الثبات في مقابل العدوّ من شروط الإيمان[4]، بمعنى أنّ ثبات القدم في جميع الميادين الخاصّة بالقتال مع أعداء الحقّ، من العلامات البارزة للإيمان، فالفرار ليس من سمات الإيمان![5]

2. دور ذِكْر الله بالثبات في المعركة:

ورد في الآية قوله تعالى: ﴿اذْكُرُواْ اللّهَ كثيرًا﴾، بالعطف على قوله تعالى: ﴿فَاثْبُتُو﴾، وهو واقع موقع جواب الشرط لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ﴾؛ فيكون المراد بالذكر في الآية هو ذكر الله كثيرًا عند مواجهة العدوّ وقتاله، كما أنّ ذيل الآية يؤيّد ذلك؛ بالتعليل بالفلاح: ﴿لعلّكم تفلحون﴾.

ونكتة تقييد الذكر بقيد الكثرة ﴿كثيرًا﴾، هو إرادة تجديد روح التقوى عند المجاهدين كلّما لاح لهم ما يصرف نفوسهم إلى حبّ الحياة الفانية، والتمتّع بزخارفها، والخواطر النفسانيَّة التي يلقيها الشيطان بتسويله. فالمداومة على ذكر الله تجدّد روح التقوى كلّ لحظة في قلوبهم، وتعمل على التقليل من شأن الأهوال والمخاطر التي يتعرَّض لها المقاتل في ميدان المعركة؛ لأنَّ ظرف القتال والميدان ليس فيه إلا إزهاق النفوس، وسفك الدماء، ونقص الأطراف، وذلك كلّه يهدّد الإنسان بالفناء عمّا يحبّه، فذكر الله يعينه على جهاده، والتثبّت بفكرته بالظفر على عدوّه الذي يهدّده بالفناء[6].

وهذا يشعره بأنّ الله سندًا قويًّا لا تستطيع أيّ قدرة في الوجود أن تنقلب عليه في ساحة المعركة، وأنّه إذا قتل فإنّه سينال السعادة الكبرى ويبلغ الشهادة العظمى، وجوار رحمة الله، فذكر الله يبعث على الاطمئنان، والقوّة، والقدرة على الثبات في نفس المقاتل[7]، ويزيل من نفسه حب الزوجة والمال، والأولاد، وكلّ ما يضعفه ويزلزله؛ كما ورد في دعاء أهل الثغور عن الإمام زين العابدين (ع): "وأنسهم عند لقائهم العدوّ ذكر دنياهم الخدّاعة، وامح من قلوبهم خطرات المال الفتون، واجعل الجنّة نصب أعينهم"[8].

3. دور إطاعة المجاهدين لأوامر الله والرسول وأولي الأمر في الثبات:

قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].

المراد بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُو﴾؛ أي لا تختلفوا فيما بينكم بما يؤدّي إلى إضعاف جبهتكم أمام الأعداء. وبقوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ أي تذهب قوّتكم وهيبتكم أمام أعدائكم.

وظاهر سياق الآية وإطلاق الأمر بالإطاعة هو الأمر بإطاعة كلّ ما صدر عن الله تعالى ورسوله من التكاليف والأنظمة المتعلّقة بالجهاد والدفاع عن الدين ووجود الإسلام، والمسائل التي لها ارتباط بالمعركة؛ كالابتداء بإتمام الحجّة قبل القتال، وعدم التعرّض للنساء والذراري والأطفال، وغير ذلك من أحكام مرتبطة بموضوع ساحة المعركة.

وكذلك إطاعة الرسول وأولي الأمر في الأوامر المرشدة إلى أسباب الفلاح في القتال وغيره، وفي كلّ ما يؤمر وينهى عنه من شؤون القتال وغيرها؛ لكونهم يمثّلون القيادة العامة؛ ومنها القيادة العسكرية، فطاعة القائد العام هي أساس وقوام النِّظام الذي هو ركن من أركان الظفر، فكيف إذا كان هذا القائد مؤيَّدًا بالوحي والنبوّة والتسديد الإلهي[9].

4. التنازع والشقاق بين المجاهدين في المعركة وأثره على الثبات:

التَّنازع هو الميل إلى شيء ما، فكلّ واحد من المتنازعين في مسألة يميل إلى غير ما يميل إليه الآخر[10]، والآية تنهى المجاهدين المؤمنين عن الاختلاف والتنازع. وقد بيّن -تعالى- فيها أنّ النزاع يوجب أمرين: أحدهما: حصول الفشل والضّعف. والثاني: خسارة الدولة أو الغلبة، فإنّ اختلاف الآراء يخلّ بالوحدة، ويُوهن القوّة[11].

5. دور الصبر في الثبات:

الثّبات أعمّ من الصبر، فالصبر هو ثبات القلب مقابل المكاره بأنْ لا يضعف، ولا يفزع، ولا يجزع، وبالبدن بأنْ لا يتكاسل، ولا يتساهل، ولا يزول عن مكانه، ولا يعجل في ما لا يحمد فيه العجل، فالصبر ثبات خاصّ، فقوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ أي الزموا الصبر على ما يصيبكم من مكاره القتال؛ مما يهدّدكم به العدو[12].

والمراد من المعيّة في قوله تعالى: ﴿... إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، معيّة النصر والظفر؛ أي أنّه -تعالى- الضامن للفوز والنصر للصابرين[13].

كما يستفاد من قوله تعالى: ﴿...إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، عقيب أمره بالصبر، وهي بنفسها جملة توكيديّة محفِّزة على الصبر، هو خصوص الأثر البالغ لهذا الاعتقاد على صبر المجاهدين في ساحة القتال.



[1]  انظر: عبده؛ رضا، تفسير المنار، ج10، ص21.

[2]  سورة الأنفال، الآية 46.

[3]  انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص37.

[4]  انظر: محسن قراءتي، تفسير النور، ج4، ص348.

[5]  انظر: ناصر مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، ج4، ص348.

[6]  انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص95.

[7]  انظر: الشيرازي، تفسير الأمثل، ج5، ص45.

[8]  الإمام زين العابدين (ع)، الصحيفة السجّاديّة، دعاء أهل الثغور، ص124.

[9]  انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص95.

[10]  انظر: محمد رشيد رضا: تفسير المنار، ج10، ص24.

[11]  انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص95.

[12]  انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص94.

[13]  انظر: سيّد قطب: تفسير في ظلال القرآن، ج6، ص510.


التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث