الحَرْبُ عَلَى إِيْرَانَ وَتَأْثِيْرَاتُهَا عَلَى خَرِيْطَةِ السُّلْطَةِ فِي "إِسْرَائِيْلَ" وَمُسْتَقْبَلِ حُكُوْمَةِ (نتنياهو) - د. أحمد البهنسي

مشاركة هذا الموضوع :

استطلاع معاريف وتحوُّلات القوَّة في إسرائيل أظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة معاريف الإسرائيليَّة يوم الجمعة في الثالث من أبريل ما يمكن تسميته بالانقلاب الحقيقي في موازين القوى السياسيَّة في "إسرائيل" على وقع تأثير الحرب العداونيَّة الإسرائيليَّة على الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة؛

استطلاع معاريف وتحوُّلات القوَّة في إسرائيل

أظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة معاريف الإسرائيليَّة يوم الجمعة في الثالث من أبريل ما يمكن تسميته بالانقلاب الحقيقي في موازين القوى السياسيَّة في "إسرائيل" على وقع تأثير الحرب العداونيَّة الإسرائيليَّة على الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة؛ فلأوِّل مرَّة منذ 22 يناير الماضي حقَّق تحالف أحزاب المعارضة في إسرائيل أغلبيَّة 61 مقعدًا -اللازمة لتشكيل حكومة بديلة لحكومة (بنيامين نتنياهو-Benjamin Netanyahu)- في حين حصل الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة (نتيناهو)، رئيس الوزراء الإسرائيلي على 49 مقعدًا فقط.

كما أظهر الاستطلاع تغيّر التوازن بين الكتلتين الحزبيتيَّن الرئيسيتين في الكيان الإسرائيلي -الحكومة والمعارضة- بشكل رئيس؛ بسبب انخفاض عدد المقاعد لكلّ من "الليكود" (الحزب الحاكم) إلى 25 مقعدًا وحزب "عوتسما يهوديت" بقيادة (إيتمار بن غفير-Itamar Ben Gvir) إلى 8 مقاعد الذي جرى تعويضه جزئيًّا بزيادة عدد المقاعد لصالح حزب "شاس" الديني إلى 9 مقاعد.

في كتلة المعارضة، تكتسب ثلاثة أحزاب مزيدًا من المقاعد، وهي: حزب "بينيت 2026" (22 مقعدًا)، وحزب "يشار" بقيادة (غادي آيزنكوت-Gadi Eisenkot) (14 مقعدًا)، وحزب "يوجد مستقبل" (8 مقاعد). في المقابل، يخسر حزب "إسرائيل بيتنا" (8 مقاعد)، والحزب الديمقراطي (9 مقاعد) مقاعدهما.

في ضوء النتيجة الرئيسة لهذا الاستطلاع المتمثِّلة في حصول المعارضة على أغلبيَّة 61 مقعدًا بشكل يؤهِّلها لتشكيل الحكومة، يمكن القول إنَّ أُولى تداعيات العدوان على إيران أنَّها ستكون عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل الخريطة السياسة الإسرائيليَّة، لا سيَّما أنَّها باتت تهدِّد بقوة حكومة (نتنياهو)، وتؤشِّر لصعود قوى المعارضة في أي لحظة.

الحرب على إيران وتآكل صورة (نتنياهو)

رغم أنَّ الحرب على إيران قد تمنح (نتنياهو) فرصة لإعادة تقديم نفسه رجلَ "الأمن القومي الأوَّل"، وهو الدور الذي بنى عليه مسيرته السياسيَّة، وكذا فرصة التغطية على فشل 7 أكتوبر الأمني الذريع، بشكل يسمح له بتغيير السرديَّة من "فشل أمني" إلى "معركة وجوديَّة" تُسكت الخلافات مؤقَّتًا، وتؤجِّل الاستحقاقات السياسيَّة، لكن فرص تحقيق ذلك تبدو ضعيفة جدًّا في ضوء عدَّة مؤشرات، وهي:

1- الإرهاق الشعبي والاقتصادي: يعيش الإسرائيليّون منذ أشهر طويلة في ضغط نفسي وعسكري واقتصادي بسبب حرب غزة، وقد مثَّل العدوان على إيران استنزافًا أكبر، وأدَّى إلى ارتفاع كلفة المعيشة، وتهديد مباشر للجبهة الداخليَّة.

2- فقدان الثقة في القيادة: هناك قطاع واسع داخل "إسرائيل" يرى أنَّ الحكومة الحاليَّة تفتقر إلى الشرعيَّة الخُلُقيَّة والسياسيَّة بعد 7 أكتوبر، والفشل في إدارة المواجهة مع إيران.

3- الانقسام بين الجيش واليمين المتطرِّف: تتطلَّب الحرب على إيران إدارة "عقلانيَّة" واستراتيجيَّة طويلة، بينما شركاء (نتنياهو) الأكثر تطرُّفًا –(بن غفير) و(سموتريتش-Smotrich)- يميلان إلى خطاب تعبوي/ شعبوي قد يدفع نحو قرارات كارثيَّة. هذا الصدام بين "عقل الدولة" و"عقل العقيدة" قد يخلق أزمة داخل الحكومة نفسها.

في السياق نفسه، فإنَّ استطلاع "معاريف" يشير إلى أنَّ حرب إيران ستسرّع ظاهرة سياسيَّة واضحة، وهي "عودة الجنرالات" إلى قلب السياسة الإسرائيليَّة؛ لأنَّ الجمهور الإسرائيلي في أوقات التهديد الوجودي يميل إلى من يعتقد أنَّهم "يعرفون كيف تُدار الحرب"، وهو ما اتَّضح في تزايد قوَّة حزب الجنرال (غادي آيزنكوت) الرئيس الأسبق لهيئة الأركان الإسرائيليَّة الذي حصل على 14 مقعدًا.

الحرب على إيران وإعادة تشكيل السياسة الإسرائيليَّة

انطلاقًا مما سبق، يمكن القول إنَّ مستقبل الخريطة السياسيَّة في "الكيان الإسرائيلي المؤقَّت" يتَّجه إلى "عسكرة السياسة" أكثر من السابق، ولكن بشكل بعيد عن (نتنياهو) الذي كشفت الحرب عن أنَّه رجل خطاب إعلامي، وليس رجل إدارة حرب.

في ضوء ما سبق، يكون السؤال الأكثر إلحاحًا هو: ما تداعيات الحرب على إيران على الخريطة السياسيَّة الإسرائيليَّة؟

 يمكن حصر تداعيات الحرب على إيران في هذه السيناريوهات:

1- سيناريو البقاء المؤقَّت

إذا جاءت نتائج الحرب على إيران "إيجابيَّة" لصالح "الكيان الإسرائيلي" (ضربات ناجحة، وتراجع إيراني، ودعم أمريكي واضح)، فـ (نتنياهو) سيحاول تحويلها إلى إنجاز تاريخي. في هذا السيناريو، تستمر الحكومة عدَّة أشهر وربما سنة، حتى لو كانت ضعيفة. لكنّ هذا السيناريو يبدو ضعيفًا بل ومستبعدًا تمامًا، لعدَّة أسباب لا تتعلَّق  بالخسائر الميدانيَّة والاستراتيجيَّة الإسرائيليَّة فحسب بل -أيضًا- بالخسائر السياسيَّة القويَّة التي تسبّبها هذه الحرب لحكومة (نتنياهو)، لا سيَّما انشقاق الكتلة اليمينيَّة الدينيَّة عنه (أحزاب شاس، ويهوديت هاتوراة)، وإبداء هذه الكتلة الاستعداد للانضمام لأي كتلة أخرى تحفظ لها مصالحها الحيويَّة داخل الدولة، ناهيك عن تزايد السخط الشعبي على القيادة الشعبويَّة لشركاء (نتنياهو) من اليمين القومي المتطرّف (بن غفير وسموتريتش).

2- سيناريو الانهيار التدريجي

نظرًا لإطالة أمد الحرب أكثر من التقديرات الإسرائيليَّة والأمريكيَّة التي كانت مرصودة لها، وتواصل إطلاق صواريخ على تل أبيب والمستوطنات الإسرائيليَّة الحيويَّة، وما يستببع ذلك من  خسائر اقتصاديَّة، واحتكاك بين الجيش واليمين المتطرّف، فمن المرجَّح سيناريو أن تبدأ أزمة داخل "الليكود" نفسه، وقد يظهر تمرّدًا داخليًّا أو ضغط لإجراء انتخابات مبكرة. وفي النهاية، قد يسقط (نتنياهو) ليس بسبب المعارضة فحسب بل بسبب التصدّع داخل معسكره، وهو سيناريو ذو نسبة ترجيح عالية جدًّا.

3- سيناريو السقوط الفوري عبر أزمة ائتلاف

إذا شعر الشركاء الرئيسون لـ (نتنياهو) في ائتلافه الحاكم، وهما (بن غفير) و(سموتريتش) أنَّ (نتنياهو) "يتراجع" أو "يعقد تسوية" لإنهاء الحرب دون تحقيق إنجازات حقيقيَّة، فقد يهدِّدان بإسقاط الحكومة من خلال الانسحاب منها. وإذا شعر (نتنياهو) أنَّه لن يستطيع ضبطهما، قد يذهب هو نفسه لانتخابات بهدف الحصول على تفويض جديد. لكن وفق الاستطلاع السابق، فإنَّ الذهاب للانتخابات الآن مغامرة كبيرة؛ لأنَّ المعارضة وصلت إلى61 مقعدًا اللازمة لتشيكل حكومة، ما يجعل حدوث هذا السيناريو ضعيفًا إلى حدٍّ ما.

في ضوء هذه السيناريوهات السابقة، يمكن الخلاصة إلى أنَّه إذا استمرَّت المؤشِّرات الحالية للحرب، فإنَّها ستعمل على تغيير جذري في شكل الخريطة السياسيَّة الإسرائيليَّة المستقبليَّة، بحيث تتراجع كتلة (نتنياهو) الحاكمة لصالح يمين أكثر براغماتيَّة، متمثِّلًا في حزب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق (نفتالي بينيت- Naftali Bennett)، وكذا صعود تيَّار "الأمن أوَّلًا" بقيادة جنرالات سابقون (آيزنكوت وأمثاله)، بالتزامن مع انكماش الأحزاب الأيديولوجيَّة اليمينيَّة الصاخبة، مثل حزب "عوتسما يهوديت" بقيادة (إيتمار بن غفير) إذا تزايد شعور الجمهور بأنَّها تضرّ بالأمن. في حين تستمرّ الأحزاب الدينيَّة (شاس ويهدوت هتوراه) في دور لاعب "بيضة القبّان"، أو العنصر المرجِّح بين كفَّتي الكتل الرئيسة المتنافسة في الخريطة السياسيَّة الإسرائيليَّة.

 

خاتمة

إنَّ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران قد تنهي مرحلة "إسرائيل نتنياهو" وتفتح مرحلة "إسرائيل الجنرالات-البراغماتيّين"، حتى لو لم تكن يساريَّة؛ فالمؤشِّرات والاستطلاعات الأخيرة بعد نشوب الحرب على إيران، تشير كلّها إلى أنَّ المجتمع الإسرائيلي لم يعد يرى أنَّ (نتنياهو) هو "الخيار الوحيد بل بدأ يبحث عن يمين بديل أقلّ فوضويَّة، وأكثر براغماتيَّة وقدرة على إدارة الدولة. وهذا هو جوهر التحوُّل: ليس انتقالًا من يمين إلى يسار بل انتقالًا من "يمين شعبوي بقيادة نتنياهو" إلى يمين مؤسَّسي بقيادة بينيت وجنرالات سابقين".

وبالجملة، إذا استمرَّت الحرب أو تفاقمت آثارها، فإنَّ سقوط الحكومة الإسرائيليَّة الحاليَّة بقيادة (نتنياهو) يصبح ليس مجرَّد احتمال بل مسألة وقت، وقد يكون ثمن ذلك إعادة رسم عميقة للتحالفات والأحزاب، وربما ولادة مرحلة سياسيَّة جديدة عنوانها "ما بعد نتنياهو".


التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث