المِظَلَّةُ الأَمرِيْكِيَّةُ مِن الخَلِيْجِ إِلَى "إِسْرَائِيْلَ" تَفَكُّكُ الوَهْمِ الأَمْنِيِّ وَبِدَايَةُ مَرْحَلَةِ مَا بَعْدَ الحِمَايَةِ - علي حسن مراد

مشاركة هذا الموضوع :

تحوّل الدور الخليجي في الاستراتيجية الأمريكية وصعود البديل الإسرائيلي لم يكن الخبر المتداول عن طرح نقل القواعد الأمريكيَّة من دول خليجيَّة إلى "الكيان الإسرائيلي"، الذي تفرّد بنشره "معهد أبحاث الأمن القومي اليهودي في أميركا – JINSA"، مجرَّد تفصيل عملي عسكري تفرضه ظروف المعركة بل هو مؤشّر كاشف عن تحوّل أعمق في بنية العلاقة بين واشنطن و"أصدقائها" الخليجيِّين.

لم يكن الخبر المتداول عن طرح نقل القواعد الأميركية من دول خليجية إلى "إسرائيل"، الذي تفرّد بنشره "معهد أبحاث الأمن القومي اليهودي في أميركا – JINSA"، مجرد تفصيل عملياتي عسكري تفرضه ظروف المعركة، بل هو مؤشّر كاشف لتحوّل أعمق في بنية العلاقة بين واشنطن و"أصدقائها" الخليجيين. ما يجري اليوم ليس إعادة تموضع تقني، بل إعادة تعريف لوظيفة الممالك والمشيخات الخليجية ضمن الاستراتيجية الأميركية، من محميات إلى هوامش قابلة للاستبدال.

على مدى عقود، بُنيت معادلة الأمن الخليجي على فرضية واحدة، مفادها أنّ الوجود العسكري الأميركي المباشر هو الضامن النهائي للاستقرار. هذه الفرضية لم تكن فقط سياسية أو عسكرية، بل تحوّلت إلى عقيدة شبه وجودية تبنّتها السلالات الحاكمة للأنظمة الخليجية، حيث ارتبط أمنها الوطني بالوجود الأميركي ارتباطًا عضويًا. لكن العدوان الحالي على إيران، وما كشفه من هشاشة القواعد الأميركية أمام الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، أعاد طرح السؤال الأساسي الذي ترتعد فرائص صانع القرار الخليجي لسماعه: ماذا لو لم تعد واشنطن مستعدّة لأداء الدور المخادع كحامٍ لأنظمتهم؟

الإجابة بدأت تتّضح، ولكن ليس عبر إعلان رسمي، بل عبر تسريبات وتوصيات ومقاربات نشرها معهد JINSA، لسان حال جناح اللوبي الصهيوني الليكودي في واشنطن، متَّخذًا ذريعة تبدو منطقية حاليًا، وهي الحاجة لتقليل الانكشاف الأميركي المباشر في الخليج، واستبداله بنموذج أكثر مرونة، وأقل كلفة، وأكثر انسجامًا مع أولويات واشنطن الجديدة، وعلى رأسها الصين. في هذا السياق، يروّج المعهد للكيان الصهيوني كبديل مثالي، فهو "الحليف الراغب" كما وصفته استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية الصادرة في كانون الثاني 2026، وهو أكثر استقرارًا نسبيًا مقارنة بدول الخليج، ويمتلك بنية دفاعية متقدّمة، ويقع خارج نطاق التهديد المباشر للصواريخ الإيرانية قصيرة المدى.

لكن ما يبدو كحل عسكري تقني، هو في الواقع انقلاب استراتيجي. نقل القواعد – أو حتى مجرد التفكير فيه – يعني أنّ الخليج لم يعد مركز ثقل الحسابات الأميركية في غرب آسيا. بل أكثر من ذلك، يعني أنّ أمن الخليج لم يعد هدفًا بحدّ ذاته، بل مجرد وظيفة ضمن شبكة أوسع من المصالح، يمكن إعادة توزيعها جغرافيًا بحسب الحاجة.

هنا تبدأ المعضلة الحقيقية لدول الخليج. فهي لم تبنِ منظوماتها الأمنية على أساس الاستقلال، بل على أساس الاستضافة. لم تطوّر عقيدة دفاع ذاتي متكاملة، بل استثمرت في شراء الأمن والحماية منذ نشأتها. ومع تغيّر قواعد اللعبة، تجد نفسها أمام واقع جديد، مفاده أنّ الراعي لم يعد مستعدًا للبقاء في الخطوط الأمامية على أراضيها.

رد الفعل الخليجي الأولي على هذا التحوّل سيكون على الأرجح مزيجًا من الإنكار والضغط. ستسعى العواصم الخليجية إلى إقناع واشنطن بأنّ الانسحاب أو إعادة التموضع يحمل مخاطر استراتيجية، ليس فقط على الخليج، بل على المصالح الأميركية نفسها. ستُستخدم أوراق النفط، والاستثمارات، والشراكات الاقتصادية كوسائل ضغط، في محاولة لإبطاء هذا المسار أو تعديله. لكن المشكلة أنّ هذا التحوُّل لا ينبع من تكتيك سياسي قابل للتراجع، بل من عقيدة استراتيجية جديدة داخل واشنطن. عقيدة تقوم على مبدأ واضح، ركيزته الأساسية هي أنّه لا مزيد من الحروب المكلفة، ولا مزيد من الانتشار العسكري الثقيل، ولا مزيد من تحمُّل الأعباء، وخاصة بعد الحرب على إيران بكل إخفاقاتها. في هذا الإطار، يصبح من الطبيعي أن تبحث الولايات المتحدة عن نماذج أقل كلفة وأكثر كفاءة، حتى لو كان ذلك على حساب "حلفائها" التقليديين.

لكن المنطق يفرض أنّ واشنطن لن تكون بصدد الانسحاب الكامل. قد يُطرَح على الخليجيين خيار "الشبكة الاقليمية"، أي الاندماج في منظومة أمنية تضم "إسرائيل" وشركاء آخرين، تحت مظلّة دعم أميركي غير مباشر. هذا النموذج قد يبدو مغريًا من حيث الشكل، لأنّه يحافظ على حد أدنى من الالتزام الأميركي بأمن الخليجيين، لكنّه في جوهره يعيد تعريف دور الخليج، من مستضيف للقوّة إلى عنصر ضمن شبكة تقودها قوى أخرى. وهنا تكمن المفارقة، فالدول التي لطالما تجنّبت الانخراط العلني مع "إسرائيل" تحت ضغط الإحراج أمام الرأي العام، قد تجد نفسها مضطرة للقبول بها كشريك أمني بحكم الضرورة، لا الاختيار. ليس لأنّ التهديد تغيّر، بل لأنّ الراعي غيّر في أولوياته، وفق ما يناسب نفوذه ومصالحه.

أما السيناريو الأكثر خطورة، فهو الانكفاء الأميركي التدريجي، حيث لا يتم استبدال القواعد الخليجية بتمركز في "إسرائيل"، بل يتم تقليص الوجود بشكل عام. في هذه الحالة، ستواجه دول الخليج فراغًا أمنيًا حقيقيًا، يفرض عليها إعادة بناء استراتيجياتها من الصفر. وهذا ما بدأت بعض مؤشراته تظهر بالفعل، قبل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، مع ذهاب السعودية إلى باكستان لتوقيع اتفاق دفاع مشترك، ومحاولات التهدئة مع إيران، والانفتاح على قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا.

لكن هذه التحرّكات، رغم أهميتها، تبقى تكتيكية أكثر منها استراتيجية. فهي لا تعالج المشكلة الأساسية، وهي غياب رؤية أمنية مستقلّة. فهذه الأنظمة الخليجية تعمّدت عدم بناء جيوش قوية من حيث عقيدتها الدفاعية وكفاءتها العملياتية والميدانية، لاعتبارات تتعلّق بالخوف من الانقلابات والتآمر للإطاحة بعروش السلالات الحاكمة. كما أنّ التوازن مع إيران لا يمكن أن يقوم فقط على مجرّد التهدئة، بالإضافة إلى أنّ الاعتماد على قوى دولية بديلة لا يضمن نفس مستوى الالتزام الذي كانت توفّره الولايات المتحدة.

ما يحدث اليوم هو لحظة مفصلية في تاريخ الخليج السياسي. لحظة تفرض إعادة طرح الأسئلة التي تم تأجيلها لعقود. ما هو مفهومها للأمن الوطني؟ هل يمكن الاستمرار في رهنه لقوة خارجية؟ وهل يمكن بناء منظومة دفاعية حقيقية دون استقلال سياسي واستراتيجي؟ إنّ التحوّل في أولويات الأميركي لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة مع الأنظمة الخليجية، لكنّه يعني نهاية شكلها القديم. العلاقة التي كانت تقوم يومًا على النفط مقابل الحماية، تتحوّل اليوم إلى روابط مشروطة، أو حتى إلى علاقة مصلحة باردة، لا مكان فيها للالتزامات المفتوحة.

في هذا السياق، يصبح نقل القواعد – سواء تحقّق أم لا – مجرد عرَض لمرض أعمق، وهو تفكُّك الوهم الأمني الذي حكم الخليج لعقود. الوهم بأنّ هناك قوة خارجية مستعدة دائمًا للدفاع، بالنظر إلى ما يملكونه من ثروات، واستعداد دائم لإنفاقها كأثمان للحماية. هذا الوهم يتلاشى اليوم، ليكشف واقعًا أكثر قسوة، في عالم يتّجه نحو التعدّدية القطبية، لا مكان فيه للحماية المكلفة، ولا للاستراتيجيات المعتمدة على الآخرين. السؤال لم يعد: هل ستنقل الولايات المتحدة قواعدها؟ بل: ماذا ستفعل دول الخليج عندما تيقن بأنّ الالتزام بالحماية انتهت صلاحيته، حتى وإن كان مدفوع الثمن؟



التعليقات


قد يعجبك

messages.copyright © 2023, مركز براثا للدراسات والبحوث