مقدّمة
تحوّل ملف الطاقة من مجرَّد ورقة ضغط إلى ساحة معركة وسلاح بحدّ ذاته، هزّ أسواق الطاقة العالميَّة؛ حيث جعل من مضيق هرمز أحد أهمّ الممرَّات الملاحيَّة في منطقة غرب آسيا نقطة ارتكاز في الحملة العسكرية التي شنَّتها الولايات المتَّحدة والكيان الإسرائيلي على إيران منذ 28 فبراير-شباط 2026، وورقة ضغط استراتيجيَّة.
أوَّلًا: مضيق هرمز وأهميته
يمنح مضيقُ هرمز إيرانَ سيطرة قويَّة في معادلة توريد الطاقة (النفط-الغاز) للعالم؛ إذ يمرُّ عبره نحو (20-25%) من تجارة الطاقة، بمعدّل يُقدّر ب 20-21 مليون برميل يوميًّا، بناءً على بيانات الأعوام 2025-2026 في العالم. ما يجعله أداة ردع مباشرة في التوتّرات القائمة؛ حيث إنَّ أيَّ اضطراب أو إغلاق له أمام حركة الملاحة ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وعلى الأسواق الماليَّة، ويمتدّ أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
ووفق خريطة نشرتها الوكالة الرسميَّة الإيرانيَّة، فإنَّ مضيق هرمز عقدة مركزيَّة في أمن الطاقة العالمي، مع تباين حادّ في مستويات الاعتماد؛ إذ تظهر أنَّ آسيا (شرقها وجنوبها) هي الأكثر تأثُّرًا؛ حيث تعتمد الاقتصادات الصناعيَّة الكبرى بشكل كبير على نفط الخليج، مثل:
1- اليابان، تصل نسبة اعتمادها على نفط الخليج قرابة 80-85%.
2- الصين، تصل نسبة اعتمادها على نفط الخليج قرابة 45-50%.
3- الهند، تصل نسبة اعتمادها على نفط الخليج قرابة 55-60%.
مضافًا إلى دول مرتفعة الاعتماد، مثل باكستان، وتايوان (+60%)، وسنغافورة (+70%). في المقابل يبدو أنَّ الغرب (الولايات المتَّحدة وأوروبا) أقلّ هشاشة نسبيًّا؛ إذ تبلغ نسبة اعتماد الولايات المتحدة: (5-10%)، والاتحاد الأوروبي: (15-29%).
ثانيًا: سيناريوهات ما بعد الحرب
من المتوقَّع أن تنتهي مشهديَّة الحرب بتثبيت مكانة إيران بوصفها قوَّة إقليميَّة. هذه المعادلة ستفرض نظامًا جديدًا لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، يراعي المصالح الاقتصاديَّة لإيران. وبالتالي، سيكون دور إيران في ضمان الأمن والسلامة الملاحيَّة لتوريد الطاقة من دول الخليج إلى العالم هو الدور الإقليمي الأساس الذي سيدفع الجميع لعقد اتفاقات اقتصاديَّة معها في سبيل ذلك.
إنَّ عدم قدرة التحالف الأميركي-الإسرائيلي على تأمين فتح مضيق هرمز، أو تأمين عبور ناقلات النفط عبر مواكبتها عسكريًّا، وفشل السيطرة على ارتفاع قيمة التأمين على الناقلات، بسبب المخاطر المحدقة بها أثناء مرورها في مضيق هرمز؛ حيث قدّر بنك "جيه بي مورغان" في لندن أنَّ تغطية التأمين لجميع ناقلات النفط العالقة في الخليج الفارسي (مع تغطية مسؤوليَّة التلوّث النفطي) ستتطلَّب نحو 352 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز الحدَّ الأقصى للمسؤوليَّة المسموح بها لمؤسَّسة تمويل التنمية الدَّوليَّة الأميركيَّة في جميع برامجها مجتمعة. ويمكن بناء على ذلك تلخيص تصوُّرات في ما بعد الحرب بالنسبة إلى مضيق هرمز بالآتي:
1- ستكون إيران أقوى جيو-اقتصاديًّا، فإذا خرجت من الحرب مسيطرة على 20-25 % من توريدات نفط العالم، فبإمكانها -أيضاً- جني مليارت الدولارات من رسوم مرور السفن. وهذا بحدّ ذاته سيكون تصوُّرًا كارثيًّا على الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل؛ حيث ستكون إيران قد امتلكت أدوات قوة إضافيَّة تضغط فيها على الاقتصاد العالمي، وتريح اقتصادها، ما يجعلها لا تخضع لأي مبرِّر للتخلي عن مبادىء قوَّتها الأخرى.
2- بحسب الطبيعة السياسية لحُكَّام الدول العربية الخليجيَّة، وطبيعة شعوبهم المُغيَّبة عن الوقائع والحقائق، ستضع هذه الدول أمام خيارين:
أ- الاتجاه نحو الاتفاقات الإقليميَّة لضمان الأمن والسلامة الملاحيَّة لتوريد الطاقة (النفط والغاز) من دولهم إلى العالم؛ باعتبار أنَّ إيران قوَّة إقليميَّة لم يعد عدم الشراكة معها أمرًا ذا جدوى بل على العكس تمامًا.
ب- أن تصبح الدول الخليجيَّة أكثر التصاقًا، وأكثر تبعيَّة للولايات المتحدة، تحت سطوة هيمنتها على أنظمة الحكم فيها وعلى حُكَّامها؛ حيث سيعود ريع هذه التبعيَّة على الولايات المتَّحدة بكثير من الفوائد.
ثالثًا: سيناريوهات البدائل عن مضيق هرمز
ستدفع أزمةُ التوريد عبر مضيق هرمز -في ظلّ الحروب أو التوتّرات الإقليميَّة، وعدم جدوى الإجراءات للحدّ من اضطراب سوق الطاقة العالمي، أو للتخفيف من ارتفاع الأسعار (المرافقة العسكرية، السحب من المخزونات الاستراتيجيَّة للدول المُستوردة، ورفعُ الحظر المشروط عن شراء النفط الروسي والإيراني- الدولَ المُصدِّرة والمستوردة للتفتيش عن تعزيز خطوط نفط بديلة عن مضيق هرمز، أو بالحدّ الأدنى التقليل من الاعتماد عليه، للتفلّت من الضغوط، ولإحباط الدور الإقليمي والعالمي لإيران في التحكُّم بسلاسل التوريد. ومن هذه الخطوط:
1-خطّ أنابيب بترول شرق-غرب السعوديَّة، من (بقيق) في المنطقة الشرقيَّة إلى ميناء الملك فهد في يُنبع على ساحل البحر الأحمر، بطاقة استيعابية تصل إلى 5 ملايين برميل يوميًّا، في ظلّ أزمة عدم قدرة المرفأ الاستيعابيَّة لناقلات النفط على رصيف الميناء.
2-خطّ أنابيب الإمارات حبشان-الفُجيرة أبو ظبي إلى ميناء الفجيرة المطلّ على خليج عُمان جنوبًا على "بحر العرب"، إلى المحيط الهندي (قرابة 400 كيلومتر)، لنقل النفط الإماراتي دون المرور بمضيق هرمز، بقدرة استيعابية 1.8 مليون برميل يوميًّا، وقد جرى تشغيله في عام 2012. ومن نقاط ضعفه سهولة استهدافه بطائرات مسيّرة تتسبَّب بمخاوف بشأن استمرارية التصدير عبره، فضلاً عن فجوة العرض، والإجهاد التشغيلي، وتكدّس المنشآت بالفجيرة.
3-القناة الجافَّة (طريق التنمية- خطط سككي وبرّي) العراقي عبر تركيا إلى أوروبّا، لربط ميناء الفاو بتركيا، بطول 1200 كيلومتر، ويمرّ عبر 10 محافظات عراقيَّة وصولًا إلى نقطة فيشخابور التركيَّة. يُتوقَّع إنجاز المرحلة الأولى منه في عام 2028، ويختصر الرحلة بين آسيا وأوروبّا مقارنة بقناة السويس مدّة 15 يومًا. ويمكن استخدامه لنقل المشتقَّات النفطيَّة عبر الصهاريج.
5-مشروع "قناة بن سلمان" أو "قناة العرب" التي تقوم على فكرة إنشاء قناة مائيَّة تربط الخليج الفارسي عبر الأراضي السعوديَّة وعُمان لتجاوز مضيق هرمز رغم تكلفتها الباهظة.
هذه البدائل تغطِّي جزءًا من 20 مليون برميل يوميًّا عبر المضيق، ولا تشمل الغاز المسيل بشكل كافٍ، مع مخاطر إضافيَّة في باب المندب.
خاتمة
مستقبل مضيق هرمز
لن يعود مضيق هرمز إلى وضعيَّة ما قبل الحرب، فإيران حاليًّا تدير حركة مرور الناقلات عبر مضيق رمز بشكل انتقائي، وبحظر جزئي على حركة الملاحة. وبعد الحرب، فإنَّ المشهد قد يكون على الشكل الآتي:
1-استمرار تحكّم إيران بحركة الملاحة عبر المضيق، مع قوانين جديدة لاستيفاء رسوم مقابل الخدمات، ما يبقي المضيق أداة ضغط سياسيّ مباشر، وتحوّل المضيق إلى أداة ردع استراتيجي، وتحتفظ بقدرة تعطيله في أي وقت.
2-التدويل القسري، في حال نجاح التحالف الأميركي-الصهيوني في شلّ القدرات البحريَّة والصاروخيَّة الإيرانية، فقد يجري فرض "منطقة حظر بحري" أو إدارة دَوليَّة للملاحة. هذا السيناريو يفترض تراجع السيادة الإيرانيَّة على مياهها الإقليمية الملاصقة للممرّ البحري.
3-السيادة المشروطة، بموجب اتفاقيَّة دَوليَّة جديدة (أشبه باتفاقية مونترو للمضائق التركيَّة) تمنح إيران حقّ التفتيش مقابل تدفّق النفط، وتبقى إيران "شرطيَّ المَضيق".
4- تخفيض الاعتماد على المضيق في المستقبل، من خلال توسعة القدرة الاستيعابيَّة لخطوط الأنابيب المذكورة أعلاه، بوصفها بدائل رئيسة خارج منطقة "عنق الزجاجة"، ما يفتح في المجال أمام "لا مركزيَّة الطاقة".




التعليقات