كشف القرآن الكريم عن مجموعة من العوامل والأسباب التي تستدعي حدوث حالة الخوف، أو التزلزل، أو التراجع، أو التثاقل، أو تثبيط العزائم لدى المؤمنين المجاهدين، وكيفيّة العمل على معالجتها. وهو ما سنبيّنه في هذه المقالة.
1. الضعف الروحي من أسباب تدنّي القدرة على القتال:
المراد بالضعف في قوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]، هو الضعف في الصفات الروحيَّة الذي ينبع من ضعف الإيمان؛ لأنّ الإيقان بالحقّ فقط هو الذي ينبعث منه جميع السجايا الحسنة الموجبة للفتح والظفر، كالشجاعة، والصبر، والرأي المصيب. والدليل على أنّ المقصود ليس الضعف من حيث العدّة والقوّة، هو أنّ المؤمنين كانوا يزدادون عددًا وقوّة في زمن النبي (ص)[1]. ولكنّ العلّة هي علّة الضعف الروحي للمسلمين؛ لأنّهم على الرغم من كثرة عددهم، اختلط بهم مَن هو ضعيف اليقين والبصيرة[2].
وعليه، يُستفاد من هذه الآية أنّ الضعف الروحي يؤدّي إلى تدنِّي القدرة على القتال، فلا بدّ من العمل على معالجة هذه الثغرة عبر الإعداد الروحي والمعنوي للمجاهدين.
2. التراخي والتنازع وعصيان أوامر القيادة من عوامل الهزيمة في الحرب:
في معركة أُحُد، أمر رسول الله (ص) جماعة من الرماة بقيادة (عبد الله بن جبير) بحراسة الثغر الموجود في جبل "عينين" وقال لهم: "لا تبرحوا هذا المكان، فإنّا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم". وبعد بدء القتال وظهور علامات هزيمة المشركين، أدّت الوسوسة بجمع الغنائم من قِبل الرماة إلى فتح ثغرة في دفاعات المعركة، وتراخى الرماة في أمر النبي (ص) وتنازعوا أمرهم بينهم في مسألة الغنائم، فكانت نتيجة ذلك هزيمة المسلمين في معركة أُحُد في بعض جولاتها[3]. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152].
وقد وَعَد الله المسلمين بالنُّصرة قبل معركة أُحُد، لكنّه شرطها بصبر المسلمين وتقواهم، في قول تعالى: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125]. في بداية المعركة كان المسلمون يلتزمون بالصبر والتقوى، فصدقهم الله وعده وشملهم بنصره، والدليل على ذلك: أنّ المسلمين كانوا يقتلون المشركين، كما يوحي به قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ المتعلّقة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ﴾.
وكلمة ﴿بِإِذْنِهِ﴾، تفيد بأنّ النصر رهن "إذن الله"، وأنّ المسلمين في المرحلة الأولى من المعركة قد هيّأ الله لهم أسباب الانتصار، وحين تراخوا، وتنازعوا، وعصوا ضيّعوا أسباب النصر المهيَّأة لهم بإرادتهم، وفوّتوا على النبي (ص) والمؤمنين بهجة النصر!
لذا، لا بدّ من إطاعة أولي الأمر وردّ الخلاف والنزاع إليهم، ولا سيِّما في ما يرتبط بالأمن الاجتماعي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]، والحرص على عدم التنازع، ونبذ الشقاق والفرقة بين المجاهدين: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103].
3. التعلّق بالدنيا وطلب تحصيلها يزلزل الأقدام ويورث التثاقل:
قوله تعالى: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ تعليل لوقوع الفشل والتنازع والعصيان: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم﴾، فطلب بعض المسلمين للدنيا في معركة أُحُد أدّى إلى التراخي، والتنازع، وعصيانهم لأوامر النبي (ص). وفي المقابل، طلب الآخرة يؤدّي إلى الثبات والاتّحاد وإطاعة أوامر القيادة في الحرب، ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾.
والتعلّق بالدنيا يؤدّي إلى تثاقل المجاهدين عن الجهاد والقتال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 38-39].
وعليه، لا بدّ من تربية المجاهدين على ترك التعلّق بالدنيا الفانية، والنظر إلى الحياة الدنيويّة أنَّها ساحة للاختبار والامتحان، وإلى الموت أنّه مَعبَر إلى الحياة الأخرويّة الخالدة والباقية: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور﴾ [الملك: 2]، وأنّهم في ملاقاتهم للعدوّ هم الرابحون دائمًا؛ فإمّا أنْ ينالوا نصرة وغلبة على العدو، وإمّا شهادة يحيون بها حياة حقيقيَّة بجوار ربّهم: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: 52].
فمن الضروري توعية المجاهدين بالمخاطر المُحدقة بتثاقلهم وتعلّقهم بالحياة الدنيا، المستتبع لغلبة العدو عليهم وهزيمتهم وإذلالهم في الدنيا، وعذابهم الأليم في الآخرة، وتعريضهم لسُنّة الاستبدال!
4. تعزيز الارتباط بالله تعالى يثبّت الأقدام:
يحتاج المجاهد في مواجهته للعدوّ والمخاطر المحدقة به إلى ثبات قدم ورسوخها في المواجهة، وهذا بدوره يحتاج إلى قدرة على الصبر، والتحمّل، وعدم الانكسار والانهزام أمام العدوّ. لكنّ الصبر يمكن أن يضعف أمام اشتداد البلاء والعسر، فيحتاج معه المجاهد إلى تجديد طاقة التحمّل والصبر لديه وتقويتها، وليس ذلك إلا بالارتباط بالله تعالى، وهو ما كشف عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 45-46]؛ فالصبر (وقد ورد في الرواية أنّه الصيام؛ من باب التفسير بالمصداق) يمنح الإنسان إرادة التحمّل والثبات أمام الشدائد، فإذا ما ضعف أمامها وعظمت في عينه، ووجد أنّها أكبر منه، وأنّه لا يمكنه تخطّيها! كانت بذلك الصلاة؛ بما تتيحه للإنسان من ارتباط بعالم الغيب المطلق، مزوّدة له بطاقة متجدّدة لا تنضب من المعنويات العالية التي تجعله يتجاوز تلك الشدائد، ويتجاوز ما استعظمه منها، فيجدها صغيرة جدًّا، بل لا يراها إلا خيرًا!
5. الحدّ من تأثير المثبّطين:
كشف القرآن الكريم عن دور سلبي تقوم به فئة من المنافقين في المجتمع الإسلامي، لجهة تثبيط عزائم المجاهدين عن النفر إلى الجهاد والقتال، وبثّ الرعب من العدوّ في نفوسهم، لكنّ الله -تعالى- دعانا إلى عدم التفاعل مع ما يبثّون من أخبار كاذبة وجوّ سلبيّ، والعمل على الارتباط بالله؛ فهو وحده الذي ينفع ويضرّ، وهو الذي بيده الأمر كلّه، فليتوكّلوا عليه وحده: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 173-175].
كما وجّه القرآن الكريم إلى عدم حمل المثبّطين إلى ساحة القتال؛ كي لا يُضعِفوا من معنويات المجاهدين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 47-48].
[1] انظر: محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج9، ص123.
[2] انظر: الفضل بن الحسن الطبرسي: تفسير مجمع البيان، ج2، ص416-417.
[3] انظر: الفضل بن الحسن الطبرسي: تفسير مجمع البيان، ج2، ص415-416؛ محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان، ج4، ص44.




التعليقات