شكّل مفهوما "القيادة" (المتمثِّلة في الإمامة والولاية والمرجعيَّة) و"الشهادة" (المتمثِّلة في التضحية الواعية والفداء الاستراتيجي) أساس الهويَّة الجمعيَّة للمجتمعات الشيعيَّة المعاصرة؛ حيث تتشابك القيادة مع الشهادة في هذا الفكر لتشكِّلا نسقًا معرفيًّا وحركيًّا متكاملًا؛ فالقيادة تمثِّل الهيكل التنظيمي، والبوصلة التشريعيَّة، والمظلَّة الشرعيَّة التي توجِّه حركة المجتمع وتضبط إيقاعه، بينما تمثِّل الشهادة الوقود الروحي، والأيديولوجي، والمحرِّك العاطفي الذي يضمن ديمومة هذه الحركة وقدرتها على مقاومة التحدِّيات والانكسارات الداخليَّة والخارجيَّة، وتأسيس شرعيَّة السلطة، وتعبئة الجماهير نحو الفعل السياسي المقاوم.
يقدّم (السيد محمد باقر الصدر) في نظريَّته "خلافة الأُمَّة وشهادة الأنبياء (ع)" التي أسَّست لمفهوم "القيادة الشاهدة" تنظيرًا بأنَّ إدارة شؤون المجتمع تقع بالدرجة الأولى على عاتق الأُمَّة الواعية؛ حيث يتحدَّد دور المرجعيَّة الدينيَّة (الفقيه) في ممارسة دور "الشهيد" (بمعنى الشاهد والمراقِب الأمين والموجِّه الأيديولوجي) الذي يشرف على التزام الأُمَّة بخطِّ الخلافة الإلهيَّة، ويصحِّح مسارها إذا انحرفت، في سياق استراتيجي وسعي إنساني حثيث لهدف حضاري نهائي وهو إقامة دولة العدل الإلهي؛ حيث يبعث هذا الفهم العملي في الإنسان روح المسؤوليَّة التاريخيَّة، ويفجِّر طاقاته الكامنة للتمهيد لظهور المَهدي (عج) عبر العمل الميداني، والتأطير السياسي، والتنظيم المؤسَّسي.
وقد جسَّد (الشهيد الصدر) نظريَّته هذه على أرض الواقع؛ فلم يكتفِ بالتنظير الأكاديمي والفقهي بل ربط القيادة بالشهادة فعليًّا حين رفض الخضوع لنظام حزب البعث في العراق، وأعلن انحيازه المطلق للثورة الإسلاميَّة في إيران. وفي رسائله المشهورة لـ (الإمام الخميني) بعد انتصار الثورة، أعلن (الصدر) وضعه لكلّ وجوده في خدمة "الوجود الكبير" المتمثِّل في ما أسماه "المرجعيَّة القائدة والمنقِذة". وعندما اشتدَّت المواجهة، أعلن استعداده التامّ لبذل آخر قطرة من دمه في سبيل الأُمَّة، مخاطبًا الجماهير بأنَّ زمانه يشبه زمان الإمام الحسين (ع)، وأنَّ الأُمَّة بحاجة إلى تضحية وفداء عظيمين يهزَّان الضمائر الميتة. ليكون بذلك (الصدر) نموذجًا حيًّا للمرجع القائد الذي يمارس "الشهادة" بوصفها فعلًا تأسيسيًّا يحمل دلالات التغيير الجذري والمواجهة النهائيَّة مع الطغيان.
ومرة أخرى يتقدَّم الولي الفقيه الشاهد والشهيد لبذل دمه لإحياء الأُمَّة الإسلاميَّة وتوحيدها، وليعيد الحيويَّة والنشاط والإرادة لأُمَّة فقدت بوصلتها، أو استكانت للذل، أو عانت من "الفقر المعنوي"، ومرَّة أخرى أيضًا، تعلن النجف الواجب الكفائي في الوقوف الميداني مع نظام الجمهوريَّة الإسلاميَّة متحدِّية كلّ إكراهات الواقع السياسي؛ لأنَّ هذه الشهادة، كما يذهب (الشهيد المرتضى مطهّري)، لا يُنظر إليها باعتبارها قتلًا في صراع سياسي عابر أو فتنة تاريخيَّة بل "مواجهة واعية، ومستهدفة، ومقاومة شجاعة لغاية مقدَّسة"؛ فالشهداء، حسب تعبير (مطهّري)، هم شموع المجتمع البشري التي تحترق لتضيء العالم في غياهب ظلمات الاستبداد ومحاولات الاستعباد، حتى أنَّ الروح السامية والنيَّة الطاهرة للشهيد تنعكس على جسده ودمه وثيابه، فيُدفن الشهيد الذي يُقتل في ساحة المعركة بثيابه ودمائه دون الحاجة إلى التغسيل أو التكفين التقليدي، هذا الاستثناء الفقهي هو دلالة رمزيَّة تعني أنَّ تضحية الشهيد بوجوده المادي من أجل القِيم الإنسانيَّة وحقَّانيَّة الإسلام قد طهَّرته بالكامل.
أسهمت ثقافة الشهادة والقيادة الشهيدة في صياغة هويَّة ومفاهيم عقديَّة أبرزها مفهوم "الشهيد الحي" أو "عاشق الشهادة"؛ حيث الشهادة ليست خسارة بشريَّة أو فعلًا إنسانيًّا بحتًا بل "رزقًا إلهيًّا" ووسامَ اصطفاء ومكرمة يمنحه الله من يشاء من عباده المخلصين، هذه النظرة الاستثنائيَّة أحدثت تحوّلًا جذريًّا في نفسيَّة المقاتل الشيعي؛ إذ أعادت تعريف الموت الجسدي في ساحة المعركة إلى كونه مجرَّد انتقال إلى مرتبة أسمى وحياة أبديَّة، ما يحرِّر الفرد من الغريزة الفطريَّة للخوف من الموت والفناء، ويخلق قوَّة عسكريَّة غير تقليديَّة يصعب ردعها بالترسانات والأسلحة الماديَّة المتقدِّمة، وهنا يبرز التناقض بين "لاهوت الدم والشهادة" (المثاليَّة الثوريَّة والجهاديَّة)، و"لاهوت القانون والتشريع" (براغماتيَّة بناء الدولة، والتعايش، واحترام الحدود الدوليَّة)؛ فالنظرة الشيعيَّة التي تعتبر الشهيد "شاهدًا كونيًّا وتاريخيًّا" على فساد التاريخ، وحاملًا لرسالة تغيير ثوريَّة ومستدامة، يبرز كيف أنَّ الفروقات اللاهوتيَّة والتاريخيَّة العميقة قادرة على رسم مسارات جيوسياسيَّة متباينة وتشكيل سياسات دول؛ فبينما تعتمد الدول الحديثة وظيفيًّا على احتكار أدوات العنف لفرض القانون والنظام الداخلي، تعتمد حركات المقاومة والدول العقديَّة على مأسسة "ثقافة الشهادة" بوصفها أداة ضغط استراتيجيَّة مكافِئة للنقص في الترسانات العسكريَّة التقليديَّة، ما يحدث تغييرًا جذريًّا في مفاهيم الحروب غير المتكافئة، وإعادة تعريف آليَّات الردع وتوازن الرعب في العلاقات الدوليَّة.
إنَّ الشهادة، بوصفها أيديولوجيا تعبويَّة ومبدأ تأسيسيًّا في الاجتماعي السياسي والديني الشيعي، تشكِّل العمود الفقري للمشروع الحضاري والسياسي، فقراءة واقعة كربلاء بوصفها حدثًا ثوريًّا، وإصلاحيًّا، يمنح القيادة الدينيَّة-السياسيَّة المعاصرة أداة نفسيَّة ومجتمعيَّة جبّارة لإنتاج الشرعيَّة، وتعبئة الجماهير، وتجاوز العقبات الماديَّة في الحروب، وهنا لا يصبح الدمُ نهايةَ الحياة بل ذخرًا رمزيًّا مقدَّسًا يُستثمر، ويُستدعى، ويُعاد تدويره لإدامة حيويَّة المجتمع وثبات أركان المسيرة الحضاريَّة، مقدّمًا عقد اجتماعي رديف غير مكتوب بين القيادة والجماهير؛ حيث تتعهَّد القيادة بالدفاع بالدم عن المشروع العقدي والجيوسياسي، وفي المقابل يقدّم الجماهير قدرة هائلة على تحمُّل العقوبات والحروب الطويلة، وبين هذا وذاك، يكتسب المشروع الحضاري القدرة على العبور والانتشار العابر للحدود، وهي قدرة لا تعتمد فقط على الإمكانيَّات العسكريَّة أو القدرات الماليَّة والتقنية بل ترتكز بشكل أساس وعميق على القدرة المستمرَّة على دمج جاذبيَّة القيادة الدينيَّة بقدسيَّة الشهادة، وصياغة حاضر الأُمَّة ومستقبلها من خلال الاستدعاء الدائم، والنشط، والذكي للماضي بكلّ ثقله الرمزي والخُلُقيّ.




التعليقات